Blog Layout

الإسلاموفوبيا وصدام الحضارات.. هذا ما يحصل في فلسطين

أ. محمد الحسيني • ١٥ مارس ٢٠٢٤

غالباً ما تعمد القوى الكبرى الفعّالة والمؤثرة في العالم إلى إطلاق عناوين كبيرة برسائل إعلامية برّاقة من أجل تسويق برامجها وسلعها التجارية لدى سائر الدول والشعوب، وتأتي هذه العناوين بمعظمها ذات طابع استهلاكي، إلا أنّه، وعلى الرغم من ارتباط مبدأ الاستهلاك بالأمور المعيشية والحياتية للناس، إلا أن ثورة الإنفوميديا وتهاوي الحدود بين الأمم والشعوب وتفاقم حجم الحرية التي يدّعيها الناس لأنفسهم في سياق هذا الثورة، كلّها أخذت بالأمور إلى منحىً آخر يقارب نظرية "صدام الحضارات" التي روّج لها صموئيل هنتنغتون، حيث تذهب إلى "عقدنة" (نسبة إلى عقيدة) الأفكار وفق مبانٍ توارثية، ذكرها التاريخ، وتناقلتها الروايات، فتحوّلت بالتراكم الذهني إلى حقيقة، ولكنها في الواقع حقيقة مدّعاة تُرمى على الآخر تهمةً أو إدانةً، وأحياناً قد تؤدي إلى استعداء بلدان أو شعوب بكاملها، فتتحوّل إلى فتيل تفجير يسهم في تعميق أزمة التواصل بين الأمم أكثر فأكثر.

يستطيع التطوّر المتنامي الذي طرأ على تكنولوجيا المعرفة نقل الفرد من طور إلى آخر بنسبة سريعة، ويسهم على نحو فعّال في صياغة قوالبه المعلوماتية التي يكوّنها عن الحالات والمواقف والتطوّرات التي يهمّه أن يعيشها أو يهتم لأن يتابعها، وبذلك أصبحت المعرفة أكثر انتقائية وتخصّصية نظراً إلى اتّساع خيارات الجمع وسهولة تحصيل المعلومات من المصادر المختلفة، ولكن الخطورة أن هذه المعرفة تصبح أكثر أصولية وتجذراً خصوصاً لدى الأفراد الذين يتمسّكون بقناعاتهم القديمة، ولا يبدون استعداداً لتغيير أفكارهم أو التعديل عليها لصالح فكرة جديدة أو معلومات جديدة، ومردّ ذلك أن بعض الشرائح الفكرية، ولا سيمّا النخبوية منها، ضالعة على نحو مباشر في الترويج للفكر الانعزالي الداعي إلى رفض الآخر، ويمكن تأطير هذا التوجه تحت عنوان "الاسلاموفوبيا".

ظاهرة الإسلاموفوبيا أو رهاب الإسلام قديمة، ولكنها تتجدّد كل عام بشكل أو بآخر لتحافظ على ديمومة الفكرة وسيرورتها في المجتمعات المتعدّدة الثقافات، وهذا المصطلح برز إلى العلن في الأدبيات السياسية الغربية عموماً والأمريكية بعد تفجيرات 11 أيلول / سبتمبر 2001، واللافت أن هذا الأمر تزامن، وترافق مع الطفرة العالمية للإعلام الإلكتروني وتطبيقات التواصل الاجتماعي إلى جانب الإعلام الفضائي، فانتشرت حالة العداء للإسلام والمسلمين، ليس في مجتمعات الغرب وحدها، بل أيضاً داخل مجتمعات العرب والمسلمين، وانطلقت الاجتهادات والرسائل الدعائية الموّجهة لترسم واحدة من أخطر واجهات الصراع الكوني، فصوّرت العالم منقسماً بين معتقدَيْن متواجهَيْن (الإسلام والمسيحية) وبين ثقافتين متصارعتين، وبين نوعين متناقضين من الناس: نوع يمتاز ببنية رجعية لشخصيته وفكر متحجّر، يعيش في نظام متخلّف ضمن بيئة ديكتاتورية متحكّمة ومتسلّطة، وهو نموذج متدنٍّ للإنسان، ويجب ألا يسود أو يعيش... ونوع يمتاز ببينة متطوّرة بفكر منفتح، يعيش في نظام متقدّم ضمن بيئة ديمقراطية تنادي بالحرية والحياة، وهو نموذج سامٍ للإنسان الذي يجب أن يعيش ويسود.

فيما مضى كان الغرب في رسائله الإعلامية والدعائية الموجّهة لشعوبه يتعمّد الخلط في المصطلحات الدلالية، فكل تركي هو مسلم، وكل تركي هو عربي، ولكن بعد سقوط السلطنة العثمانية في تركيا تغيّرت المعادلة، فأصبح كل عربي مسلم، وكل عربي يعني الجمل والناقة والخيمة والصحراء، وكل مسلم يعني السيف والقتل والإرهاب، وبذلك لم تعد الإسلاموفوبيا تختلف كثيراً عن العربوفوبيا، مع العلم بأن هناك شرائح كبيرة من غير المسلمين في الكثير من الدول العربية، ويمتلكون مراكز قوى فاعلة فيها، ولكن الهدف لدى الغرب تنميط المجتمعات الشرقية وفق النسق الغربي، ولا فرق في أن تكون عربية أم إسلامية أم غير عربية وإسلامية.

ونحن لسنا في هذا المقال بوارد البحث عن بُنى ومنطلقات وخلفيات الإسلاموفوبيا، ولا نتّجه إلى تحليل الرموز والأدوات والسياسات والأساليب، فهناك الكثير من الدراسات والمؤلفات التي تتحدث عن هذا الجانب بالعرض والمواكبة، ولكن ما يستدعي التوقف عنده هو ما يجري حالياً من مجازر يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وما يتم التخطيط له لاستكمال مشروع الإبادة الجماعية للعرق الفلسطيني في قطاع غزة كمرحلة أولى، ثم يليها مرحلة ثانية تطال فلسطينيي الضفة سواء بالقتل أو الترحيل أو القبول بأن يكون من الأغيار "الغوييم" الذين لا يصلحون إلا للخدمة، ولا يُسأل عنهم إذا قتلوا فهم ذوو أرواح لا ثمن لها.

ولعلّ أكثر ما يستدعي الذهول هو إمعان الغرب وإسرائيل (التي تصوّر نفسها واحة الحرية والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط) في تشريع استمرار القتل في فلسطين باتجاه الإبادة العرقية الكاملة وتفريغ الأرض من سكانّها تنفيذاً لأجندة أهداف واضحة أعلن عنها مسؤولو الاحتلال بكل صراحة، فالمسألة هنا لم تعد تتعلق بإسلاموفوبيا أو عربوفوبيا بل تتعلّق بحالة تباين وجودي بين أن تكون يهودياً صهيونياً فتَحيا أو أن تكون فلسطينياً (مسيحياً أو مسلماً، عربياً أو أشورياً...) فتُقتل أو تُرحّل، أما العربي الآخر (المسلم والمسيحي) الذي لا يعارض الغرب فهو مقبول ومرضيّ عنه، ويمكن دمجه في بيئة العالم الأول (المليار الذهبي).. إن هذا أبشع حالات الرهاب الصناعي الذي تبدع به الدعاية الغربية، حتى يكاد الفرد ليشكّك في أصله وفصله ونسبه، أو أن ينسف أصله من الجذور ليعود وينبت جذوره في تربة غربية ليستحق في الحد الأدنى أن يحيا ويعيش.

Share by: