Blog Layout

البراغماتية والشخصية البراغماتية

أ. نسيب شمس • ٨ فبراير ٢٠٢٤

لطالما سمعنا كلمة هذه سياسة براغماتية أو هذا السياسي براغماتي. فما هي حقيقة هذا المصطلح؟ و"لازم تعرف" سيجيب بشرح المصطلح.
بداية، (البراغما) لفظ يوناني معناه (العمل) وإذا ما قلنا عن منهج أو شخص أو حركة... الخ، أنها براغماتية فإننا نعني بذلك أنها ترص أسس الواقعية على الفكرة أو الخيال أو الأطروحة، لتخرج بمصداق ملموس ومحسوس.
أمّا البراغماتية فهي مذهب فلسفي – سياسي، يعتبر نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة، فالسياسي البراغماتي يدّعي دائماً أنه يتصرف ويعمل من خلال النظر إلى النتائج العملية المثمرة التي قد يؤدي إليها قراره. وهو لا يتخذ قراره بوحي من فكرة مسبقة أو أيديولوجية سياسية محددة بل من خلال أخذه بعين الاعتبار للنتيجة العملية المنشودة. ومن هنا فأن البراغماتية (الذرائعية) تقترب كثيراً، في بعض جوانبها من التجريبية.
نشأت هذه الفلسفة البراغماتية وتطورت في الولايات المتحدة في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وكان أول من عرضها بوضوح الفيلسوف الأميركي تشارلز بيرس (1839-1914، وذلك في مقال نشره عام 1879 تحت عنوان: " كيف تجعل أفكارنا واضحة"، وقال فيه "إن مبدأ الذرائعية يكمن في النظر إلى النتائج العملية التي نأمل أن نحصل عليها من وراء افكارنا "؛ بكلمة أخرى فإن الفكرة لا تحقق ذاتها إلا عندما تؤدي الى نتيجة فعالة: فالفكرة الصحيحة هي الفكرة الناجحة أو الفكرة التي تخرج منتصرة من امتحان التجربة والزمن. ثمّ جاء الفيلسوف الأميركي وليام جيمس (1842-1910) ليطلق عام 1898 هذه النظرية على الدين والفلسفة، وذلك قبل أن يحولها عام 1906 الى نظرية متكاملة عن الحقيقة والتي عرضها في كتاب صدر له في السنة نفسها بعنوان "البراغماتية". وكان جون ديوي (1985-1952) مؤسس المدرسة التجريبية "مدرسة شيكاغو" من أبرز وأشهر زعماء الفلسفة البراغماتية. فسرعان ما لبثت البراغماتية أن انتشرت بعد ذلك في أوروبا، فتأثر بها العديد من الفلاسفة من أمثال جورج سيمل، فيلهلم أوستوالد، أدموند هوسيرل، جيوفاني بابيني، جوفياني فايلاّني، هنري برغسون وادوار لوروا...
وللإحاطة، تدّعي البراغماتية أنها ترفض كل الأيديولوجيات لكنها في الواقع تنادي بأيديولوجية مثالية مستترة قائمة على الحرية المطلقة وعلى المعاداة لكل النظريات الكليانية الشمولية وعلى رأسها الماركسية.
 الشخصية البراغماتية تتصف بالواقعية والنفعية والإهتمام بمجريات الواقع كما هو أكثر من الاهتمام بما ينبغي أن يكون، والتفكير المستمر في عواقب ونتائج كل ما تُقدِم عليه من أفعال، ويركز الشخص البراغماتي على تحقيق أهداف مفيدة واضحة وتنفيذ إجراءات ملموسة.
وتتميز الشخصية البراغماتية بالصفات التالية:
الواقعية: ينظر ويتعامل الشخص البراغماتي للأشياء والأمور كما هي في الواقع ليحدد موقفه منها سواء كان سلباً أو إيجاباً.
يأخذ المخاطر بعين الاعتبار ويقدم عليها: ينصب اهتمام الشخصية البراغماتية على فهم المواقف التي يتعرض لها ليركز على النتائج فهو غير مهتم بتخيل المخاطر وتوقعها، فهو يرى أن الهدف يستحق المخاطرة ولديه الاستعدادية الكاملة لارتكاب الأخطاء من حينٍ لآخر.
أهدافه واضحة: يحدد الشخص البراغماتي الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها بوضوح ودقة، فهو يعرف ما يريد دون تردد، حيث يخطط وينفذ بدقةٍ متناهية ليحول خططه إلى واقعٍ ملموس. 
غير مبالي بنظرة الآخرين إليه: يتركز اهتمام الشخصية البراغماتية على تحقيق الأهداف المخطط لها لإدراكها أن كل عمل تقوم به هو عرضةً للنقد، لذا فهو لن يفقد تركيزه لإرضاء الآخرين. 
شخصية منظمة وفعالة: الكفاءة في استخدام الوقت من أهم سمات الشخصية البراغماتية بفضل الخبرة التي يحوزها مما يمكنه من تنظيم المهمة وتنفيذها قبل الآخرين. 
قابلية التكيف والمرونة: رغم تغير الظروف في المنزل أو العمل إلا أن الشخصية البراغماتية دائماً ما تجد الطريقة للتكيف مع الواقع فالأهم بالنسبة لها هو إكمال المهمة والوصول إلى الهدف النهائي، لذا ستجده دائم التخطيط للمستقبل لتفادي تغيّر الظروف المفاجئة.
شريك مميز: لن تجد شريكاً أفضل في العلاقة من الشخصية البراغماتية فهو لا يغير نفسه من أجل الآخرين بل يبقي على تصرفاته الطبيعية المبنية على قناعاته، لذا فإنه يعامل الآخرين بنفس الطريقة خلال المناقشات والمشاكل فهو يتفهم وجهة نظر الآخر.
الذكاء: ينظر الآخرون للشخص البراغماتي على أنه شخص حاد الذكاء ويتمتع بالحس السليم فهو يعتمد أكثر الطرق فاعلية لتحقيق أهدافه، كما أنه شخص سريع التفكير ومنطقي في علاج الأزمات.
أما عيوب وسلبيات الشخصية البراغماتية، بدايةً، الشخص البراغماتي دائمًا ما يتحدث مع نفسه عند تحديد هدفٍ ما متسائلاً ما إذا كان قادراً على إنجاز المهمّة أم لا، ممّا يحدث لديه نوعًا من تشتت الانتباه. ودائمًا ما يفكر الشخص البراغماتي بصحة خيارات الماضي، فغالباً ما يندم على المراحل العمرية الفائتة. كما أنه سريع الملل من المهام الموكلة إليه، فيما يواجه الشخص البراغماتي نوعًا من الضغط لأن الآخرين يعتمدون عليه دائمًا ويلقون إليه بالمهام. ورغم مرونة الشخصية البراغماتية إلا أنها دائمة القلق من التغيير، كتغير العمل أو مكان السكن. كما يرسم البراغماتي الخطط والسيناريوهات المسبقة لمهمةٍ معينة لكنه يخاف من الفشل، لذا يفكر جيداً بالطريقة الصحيحة للوصول إلى الهدف بأقل الخسائر وأسرع وقت.

Share by: