طرح كل من كريستوفر ووكر وجيسيكا لودويج مفهوم "القوة الحادة" لأول مرة في مقال بمجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs) في تشرين الثاني/ نوفمبر2017 تمهيداً لشرح أكثر تفصيلاً للمفهوم قدماه في تقرير أصدره "الوقف الوطني للديمقراطية" في كانون الأول/ ديسمبر 2017. وبدأ الباحثان بانتقاد التوسع في استخدام مفهوم "القوة الناعمة" بحيث أصبح يشمل كافة أنماط القوة غير المادية (Intangible) على الرغم من تضمنها أشكالاً غير طوعية للقوة، وهو ما يتعارض مع تعريف جوزيف ناي للقوة الناعمة، والتي تقتصر على جاذبية الدولة المستمدة من ثقافتها، وقيمها السياسية، وسياساتها، والمجتمع المدني المُستقل داخلها.
ووفقاً للتقرير فإن بعض مظاهر النفوذ الدولي الذي تمارس بعض الدول، لا يمكن أن تمثل صوراً للقوة الناعمة؛ فبعكس القوة الناعمة التي تركز على محاولات كسب التأثير واستمالة القلوب والعقول، فإن محاولات التأثير المبذولة من هذه الدول عبر مبادرات في مجالات الثقافة والاعلام ومراكز الأبحاث والجامعات تهدف بالأساس إلى الإلهاء والتلاعب والخداع وليس الإقناع والجذب.
ويتمثل الاختلاف بين "القوة الناعمة" و"القوة الحادة" في أن الأولى تسعى لتوظيف جاذبية الثقافة والقيم لتعزيز النفوذ الخارجي للدولة، وفي المقابل تتمثل وظيفة القوة الحادة في " مساعدة الأنظمة السلطوية على إكراه الرأي العام العالمي والتلاعب به لتبني رؤى تحقق مصالحها ".
وتُعرف القوة الحادة بأنها محاولات التأثير المبذولة من قبل النظم المستبدة أملاً في أن تتبنى دول العالم نفس المعايير وسياسات القمع الممنهج للتعددية السياسية وحرية التعبير التي تفرضها بالداخل لتأمين مصالحها".
ويعني ذلك أن "القوة الحادة" هي نمط من "القوة الناعمة الاستبدادية" التي تهدف الى "تخريب واختراق البيئات السياسية والمعلوماتية للدول المستهدفة أو على أدنى تقدير النفاذ إليها والتأثير". كما أنها قوة هجومية في المقام الأول، وتركز على تعزيز قوة الأنظمة المستبدة على النفاذ الى نسيج المجتمعات المستهدفة، وإذكاء وتضخيم الانقسامات القائمة.
تتمثل أنماط توظيف "القوة الحادة" فيما يلي:
1- تشديد الرقابة الإعلامية: تقوم الدول التي تمارس "القوة الحادة" بالتصدي للانتقادات لنظم الحكم عبر استمالة واستقطاب الفاعلين الأساسيين في قطاعات الاعلام والجامعات ومجتمع السياسات بهدف اختراق هذه الدوائر الإعلامية والأكاديمية والثقافية. وتقوم الحكومات في هذه الدول باستبعاد الباحثين والصحفيين المنتقدين لنظم الحكم من دعوات المؤتمرات التي تنظمها الحكومات، كما تقدم مكافآت على الانصياع لمن يتمنعون عن نقد السياسات الحكومية، مثل عضوية اللجان الشرفية، وتوجيه الدعوات لمؤتمرات، وغيرها من الهدايا والمزايا.
2- الهيمنة على الاعلام: الاستحواذ على وسائل الاعلام، والدعم غير المُعلن لوسائل الاعلام، ويتم إخفاء هذا الدعم الحكومي ضمن مساهمات إعلانية أو إعلانات لشركات خاصة كبرى.
3- الاستحواذ على شركات الترفيه، أي شراء مشارح، وشركات انتاج سينمائي أو تلفزيوني.
4- الاعتماد على على حرب المعلومات: أي تشكيل محتوى إعلامي عبر منصات رقمية على شبكة الانترنت، في إطار حرب المعلومات، إضافة الى محاولات الاختراق السيبراني وحملات التضليل المُتعمد، ونشر المعلومات الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ودعم التيارات الشعبوية والترويج لخيارات متعددة.
5- تجنيد النخب السياسية: عبر اختراق الأحزاب والمجالس البرلمانية، وكسب تأييد وولاء الأعضاء، وذلك من خلال دعمهم مالياً ولوجستياً للوصول إلى مناصب رفيعة.
6- الاستقطاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي: أي توظيف مواقع التواصل الاجتماعي لجمع معلومات والتواصل مع سياسيين سابقين وحاليين وشخصيات مقربة من دوائر صنع القرار، وعبر صفحات وهمية يتم جمع بعض المعلومات عنهم ودعوتهم لبعض الفعاليات السياسية والثقافية التي تقوم الدول بتنظيمها.