مواجهةُ مشاعرِ الخوفِ باللّجوءِ إلى الله والتَّوكُّلِ عليه
العلامة السيد علي فضل الله
قال الله سبحانه: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}(آل عمران: 175). صدق الله العظيم.
الخوف حالة إنسانيَّة نجدها لدى كلّ البشر، ومن دون استثناء، وهو أمر مفطور عليه الإنسان، فمن الطّبيعيّ أن يخاف الإنسان إن تعرَّض له من يهدِّد حياته أو صحَّته أو كرامته أو مصالحه، أو أن يصاب بفقر أو بلاء أو مكروه.
وهذا ما تحدَّث عنه القرآن الكريم بكلِّ وضوح عند حديثه عن الإنسان، فقال: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}.
الخوفُ المحمود
والخوف، أيُّها الأحبَّة، ليس أمراً سلبياً أو مستنكراً أو مدعاةً لإدانة الإنسان عليه، بل قد يكون واجباً ويثاب عليه، وخصوصاً عندما يكون الخوف من الله عزَّ وجلَّ، حيث يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
فالخوف إن حصل، يدفع بالإنسان إلى أن يتَّقي المكاره، وإلى حماية نفسه من المخاطر الَّتي يتعرَّض لها، وأن يقوم بالواجبات ولا يقع في الحرام. لكنَّ الخوف قد يصبح سلبياً ومستنكراً ومداناً، وقد يصبح مدمِّراً، إن هو تملَّك بالإنسان، وأدَّى إلى شلِّ إرادته، ودفعه إلى اتخاذ قرارات لا تتفق مع قيمه ومبادئه وحريته وكرامته، أو إلى التخلي عن المسؤوليات والواجبات الملقاة على عاتقه تجاه نفسه أو مجتمعه أو وطنه أو أمَّته.
لذا، عمل الإسلام على معالجة هذا الخوف، فدعا الإنسان أوَّلاً إلى أن يتقي ما أمكن مما قد يؤدّي إليه، وثانياً إلى التَّدقيق في أسبابه، فليس كلّ خوف يؤخذ به أو يبنى عليه، فهناك من الخوف ما هو وهم وغير واقعيّ، وينبع من الجهل بحقيقة ما يُخَاف منه، كالَّذين يخافون من السِّحر أو صيبة العين، أو من الجنّ، أو من بعض الأعداد والأرقام أو الحيوانات، وما ورد في ذلك من قصص تندرج في عداد الأساطير، أو من روايات غير صحيحة، والتي تخوِّف الإنسان حتى المؤمن مما سيجري له بعد الموت أو عندما يقف بين يدي الله، بحيث يفقد معها الإحساس برحمة الله الَّتي وعد بها عباده...
وقد يعود الخوف إلى ما نشهده من توهّم القوَّة المطلقة لدى من يدَّعونها، من دون الأخذ في الاعتبار مواقع ضعفهم، أو حضور الله سبحانه في ساحة الحياة.
السَّبيلُ لمواجهةِ الخوف
وقد أشار القرآن الكريم إلى أنَّ الخوف هو أحد أبرز أساليب الشَّيطان، والتي يهدف منها إلى أن يدفع بالإنسان إلى الخيارات الَّتي يريدها، وأن يبعده عمَّا يدعوه إليه الله سبحانه: {ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ}، وعندما قال: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً}.
ومن هنا، كانت دعوة الله القرآن الكريم الناسَ، أوَّلاً، إلى أن يكونوا واعين، بأن يدقِّقوا في الأخبار الَّتي ترد إليهم وتسبِّب خوفهم، بأن يرجعوا فيها إلى من يملكون معرفة حقائق الأمور، لا الذين يزيدونهم خوفاً أو يريدون هزيمتهم نفسياً، ليكونوا على بيِّنة من حقائق الأمور، وهذا ما أشار إليه الله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}.
ودعاهم في كلِّ ذلك إلى اللجوء إلى الله والركون إليه والاستناد إليه، وأن يثقوا بأنَّه قادر على تغيير الواقع الَّذي هم عليه، وهذا ما أشار إليه في سورة العلق، عندما دعا الَّذين يخافون من كلِّ الشّرور التي قد تلحق بهم الأذى، أو تلك الَّتي تتلاعب بمصائرهم، أن يحصِّنوا أنفسهم بالارتباط بالله، ويستعيذوا به سبحانه وتعالى من كلِّ شر، عندما قال لهم: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} .
واللّجوء إلى الله يكون بذكره، وباستحضار قوَّته وعظمته وعلوّه وقدرته وهيمنته على الأمر كلّه، والَّذي وعد مَنْ يذكره بذكره لهم، ويكون بدعائه الَّذي وعد فيه بالإجابة، ويكون بالتوكّل عليه والاستناد إليه، والله عند وعده، فهو وعد من يذكره ويدعوه ويتوكَّل عليه، أن يكون ناصراً له ومؤيِّداً ومعيناً وباعثاً للسَّكينة في قلبه، والله لا يخلف وعده.
من نتائجِ اللّجوءِ إلى الله
والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها:
المثال الأوَّل: هو حديثه مع النبيَّين موسى وهارون (ع)، بعدما أبديا له خوفهما من فرعون وبطشه، إن هما دعواه إلى ترك ظلمه وجوره وطغيانه، فقال لهما مطمئناً: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}.
المثال الثَّاني: حدث مع رسول الله (ص)، لما هاجر من مكَّة إلى المدينة، ولاحقته يومها قريش، وكادت تصل إليه وهو في الغار، يومها خاف من كان معه، فقال له رسول الله (ص): {لَا تَحْزَنْ - يعني لا تخف - إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
المثال الثَّالث: حصل بعد النَّكسة التي تعرَّض لها المسلمون في معركة أحد، يومها، وبعد عودتهم إلى المدينة ووصولهم إليها، جاءهم خبر أنَّ أبا سفيان قرَّر أن يهاجم المدينة، مستفيداً من الخيبة التي تعرَّض لها المسلمون، والهزيمة النفسية التي حصلت لهم، يومها، خرجوا جميعاً، حتى الجرحى منهم، لمواجهة ما سيقدم عليه أبو سفيان، وقد أشار الله عزَّ جلَّ إلى ذلك، فقال: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.
الصَّبرُ أمامَ الابتلاءات
أيُّها الأحبَّة: إنَّ من طبيعة الحياة أن نتعرَّض للخوف، وأن نعاني فيها الجوع والنقص في الأموال والأنفس والخيرات، وقد كان الله واضحاً من أنَّ مثل هذه الابتلاءات مما سيتعرَّض لها الإنسان، وقد أشار إلى ذلك بقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}.
لكنَّ الله لم يشأ لنا أمام هذه الابتلاءات أن نضعف ونهزم ونجزع ونتراجع عن مبادئنا وقيمنا، بل أراد منَّا أن نتحلَّى بالصَّبر والثَّبات بالشكل الذي يجعلنا نفكِّر تفكيراً سليماً يدفعنا إلى دراسة الأسباب، والعمل على معالجتها بالصّورة التي أشار إليها، لنحظى بما يحظى به الصَّابرون: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}، وعندما قال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.