لا موضوع يعلو على هول ما يحصل بحق أصحاب الارض الفلسطينيين وما يعانونه من عدوان همجي يدحض كل كلام اممي عن الانسانية. لكن في الأزمات كما في الحروب تتسلل الظواهر الشاذة والغريبة ذات الطابع الاجتماعي إلى بيئاتنا وتتحول مع الوقت الى عادة مقبولة مجتمعيا فما بالك إن كانت مكرسة من قبل منظمات حقوق الانسان والجمعيات النسوية ومدعمة بظاهرة التراندات.
"فتّش عالإم ولمّ"
فيما مضى كانت النسوة إن أرادت طلب يد فتاة لابنها تختبرنها في جلسات نسوية او على انفراد لمعرفة صفاتها الداخلية وشخصيتها، لدرجة أنهن كن يعرفن إن كانت الفتاة المختارة "مبذرة" أو "مدبّرة" من خلال طريقة تقشيرها لحبة البطاطا. فكانت الام تختار كنتها بعناية لكونها ستحمل اسم العائلة من جهة إلى جانب الظفر بقلب ابنها من جهة ثانية بالاضافة الى ضمان راحة البال. كما كنّ يبحثن عن بنات الامهات اللواتي يضرب بهن المثل، فكما الأم تكون البنت. ولذلك درجت العادة على اعتماد المثل الشعبي "فتّش عالإمّ ولمّ" كونها الركن الاساسي في عملية التربية، فكلما حسُن خلقها أنجبت وربّت أسرة صالحة.
الزمن والتطور الشكلي
وبما أن عجلة الزمن نشيطة، تسارعت المتغيرات لا سيما في عصر العولمة وبتنا نستهلك القيم المعلّبة بأسماء ذهبية مختومة بقوانين عالمية مصدرة من المنظمات الدولية ومستوعبات النجوم -"المرفهين" تحديدا- كما نستهلك المواد الأساسية، لاننا شعوب استهلاكية بامتياز. وإن كنا نعتز بين الحين والآخر بماضينا العريق وقيمه وعلومه وإعلائه من شأن الانسان إلا أننا ننجر وراء مفاهيم مدوزنة أنتجتها شعوب لولا القطيعة الابستيمولوجية التي اعتمدتها لما ارتقت وهيمنت على دول العالم.
ولو اكتفينا بأخذ العلوم وأساسيات التكنولوجيا الغربية وطبقناها على مجتمعاتنا لعشنا في "مهد عيسى" لكننا للأسف انجررنا وراء المظاهر الشكلية للتقدم وتجاهلنا الاساس، جاهرنا بالعري معتبرينه تحررا كما أوهمونا. تخلينا عن مبادئنا من جيل الى جيل واندمجنا أكثر فأكثر في التفاهة والسخافة حتى باتتا سِمتيْ العصر. فأضحى لكل مناسبة خاصة أدبياتها الخاصة، نركز عليها اكثر من اهتمامنا بالسلوك المرتبط بالمناسبات الإجتماعية والدينية وما تتضمنه من قيم سامية وسلوك إنساني راق إلى جانب الحفاظ على التواصل الاجتماعي المباشر وصلة الرحم. والملفت ان بعض المظاهر دخلت الى مناسباتنا وقلبتها رأسا على عقب، حتى حفلة وداع العزوبية العفيفة الجامعة للأهل والاقارب لم تسلم، وبعدما كانت النساء تلبس الفضفاض لتخفي حملهن حياءً وخجلًا بات لمعرفة نوع الجنين حفلة. أما عن القوة والجرأة فقد عُرفت النساء بمواقفهن القوية الشجاعة وليس بوقاحتهن وقلة حيائهن ودونية أخلاقهن كما شاع في زمننا.
وسائل التواصل وتلاشي الاخلاق
لا يخفى على احد أهمية دور المرأة، فهي "مدرسة إن أعددتها جيدا أعددت شعبا طيب الأعراق". وكم من دولة احتلال سعت للنيل من دور المرأة وشرفها وعرضها منذ الازل كي تفقأ عين الشعب المحتل، لدرجة ان مجتمعات ضعيفة قدمت نساءها للمحتل بغية الظفر من بطشه.
غير ان الدول الاستعمارية دائما ما تغير من استراتيجياتها الاحتلالية لا سيما تلك التي تحمل لواء التقدم والديمقراطية والانسانية وتتباهى به لانها وصلت الى ما هي عليه بعد خوضها ثورات سياسية وحقوقية تولدت من النتائج السلبية للثورة الصناعية. ولاننا في عصر العولمة والتكنولوجيا لم يكن من الصعب على هذه الدول ان تستعمرنا فكريا وثقافيا حتى وصل بنا الحال مع طفرة وسائل التواصل الاجتماعي إلى التباهي بالجهل والسخافة والوضاعة والتمثل برموز مجتمعية تافهة وفنية تائهة وتقليدهم في كل صغيرة وكبيرة. وبطبيعة الحال اندمجت الفتيات كما الفتية في الفضاء الإلكتروني وأصبحن أمهات رهينة الشاشات والتراندات. يلتهين بقشور وسائل التواصل الاجتماعي ويلهثن خلف إعجابات هشة لمحتوى فارغ أراده الغربي بالدرجة الاولى ولكنه فعليا تظهّر تحت عنوان المخطط الصهيوني الماسوني لضرب قيم المجتمعات الشرقية والعربية المتدينة. وهذا ما حصل، فكانت البداية بتسخيف الانتماء الديني للمجتمعات العربية والتشكيك به في مقدمة لضرب القيم والمفاهيم المنبثقة عنه، وبث أخرى جديدة في إطار تحرري.
تبعه تفكيك الاسر فظهرت الحالات الشاذة بعد تغيير هوية الام ودورها التربوي في عملية التنشئة الاجتماعية.
صحيح ان التربية تقع على عاتق الاب والام معا لكن الظروف وطبيعة الحياة حصرته بالام بالدرجة الاولى ودرجت العادة على ربطها بها. ولذلك يبقى مصير أجيال المستقبل رهن سلوكيات أمهات الحاضر ومدى رصانتهن وحفاظهن على شرفهن وأخلاقهن وعدم انجرارهن في فخ التحرر المزيف والجهل الممنهج.
*المقالات والآراء التي تنشر تعبّر عن رأي كاتبها*