Blog Layout

عودة المركنتيلية

لينا وهب • ٢٢ مارس ٢٠٢٤

إلى ساعة كتابة هذا المقال لازالت الإمبريالية الاقتصادية بزعامة أميركا تسيطر على الاقتصاد العالمي، والامبريالية كمصطلح هي آيديولوجية غايتها توسيع نطاق السلطة والنفوذ السياسي وفرض السيطرة السياسية بغية الاستحواذ على مقدرات وثروات البلاد والعباد بالقوة سواءً أكانت تلك القوة عسكرية أم قوة ناعمة. 
ولا ريب بأنّ سياسات أميركا التوسعية وموقعها كدولة كبرى لها نفوذ سياسي وقواعد عسكرية واسعة النطاق خارج حدود الولايات المتحدة الأميركية الجغرافية، يجعلها نموذج حيّ لما يسمّى بالامبريالية. بالإضافة إلى إعتماد العملة الأميركية، الدولار الأميركي، كعملة عالمية في التجارة والتدوال في معظم بلدان العالم تقريبًا، ممّا يعزز السيطرة الاقتصادية والسياسية على حد سواء في الأداء الأميركي وممارسة الأمبريالية.
غير أنّ غفلة بعض صناع القرار في أميركا مؤخرًا، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي بايدن، عن تلبية احتياجات الداخل الأميركي اجتماعيًا واقتصاديًا، والتدحرج نحو مستنقع المشاركة في الحروب في الشرق الأوسط وحرب أوكرانيا وروسيا إمّا بشكل مباشر أو عبر الوسطاء أو عبر المساندة كما الحال في دعم أوكرانيا سياسيًا وإمدادها عسكرياً، وكذلك الأمر بالنسبة لمساندة العدوان الصهيوني الاسرائيلي على غزة ودعم الاعتداءات الاسرائيلية من خلال استخدام حق النقد الفيتو ضد أي هدنة مقترحة في مجلس الأمن الدولي، ناهيك عن التصريحات النارية ولكن المنمقة بوجهين في المحافل الدولية، كل ذلك كان من شأنه تأجيج أزمات الداخل اقتصاديًا واجتماعيًا ما يترتب عليه من دون أدنى شك كِلف وأثمان مستقبلية أقلها تدهور العملة الأميركية في السوق المالية العالمية والتخلي عنها كعملة عالمية لصالح الذهب والفضة كما في العصور السالفة.
فإهمال الداخل الأميركي لصالح تطبيق الامبريالية في ظل المتغيرات لم يعد يجدي، فتطبيق الامبريالية بما يعود بالمكتسبات والخيرات على الداخل الأميركي لم يعد ممكنًا بعد الآن، لأنّ حصول ذلك يتطلب وجود دول ضعيفة تستطيع أميركا التغلب عليها للسيطرة عليها سياسيًا واقتصاديًا. إلاّ أنّ بزوغ ما يسمى محور المقاومة في الشرق الأوسط يشكل تحديًّا جديًا أمام الامبريالية الأميركية وخصوصًا مع الأحداث الأخيرة وجرأة أنصار الله في اليمن على مواجهة وتحدي أميركا بالعلن سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا والتصدي لها في سابقة من نوعها منذ نشأة أميركا. 
ولأوّل مرة تنكشف نقاط ضعف في قدرات أميركا المتعثرة على مضيق باب المندب في البحر الأحمر، ممّا يكشف الوجه عن وجود نقاط ضعف أخرى تبدأ من الملاحة البحرية ولا تنتهي عند قواعدها العسكرية المشرذمة في الشرق الأوسط تحت نيران المقاومة في العراق وغيرها من دول محور المقاومة، وبالتالي يمكن التيقن من تراجع الامبريالية الاميركية مستقبلاً مع احتمالية العودة خطوة إلى الوراء نحو ما يسمّى المركنتيلية.
و"المركنتيلية" أو "الاتجارية" أو "الماركنتيلية" يعرّفها المعجم المنجد في اللّغة العربيّة المعاصرة بأنّها " نزعة للمتاجرة من غير اهتمام بأي شيء آخر"، وهي مذهب سياسي-اقتصادي ساد في أوروبا فيما بين بداية القرن السادس عشر ومنتصف القرن الثامن عشر. فالمركنتيلية مذهب اقتصادي يعتبر أنَّ ثروة الأمم تأتي من تراكم الذهب والفضة بالدرجة الأولى؛ ولذا تسعى الدول التي تفتقر لوجود مناجم للحصول على الذهب والفضة فقط من خلال تصدير السلع، أكثر ممّا تستورده من الخارج، وأمّا الدول التي لا تملك مناجم للذهب والفضة فتزيد ثروتها بزيادة الصادرات وتقليل الواردات من خلال فرض التعريفات الجمركية، وهذا ما كانت تطبقه الدول الأوروبية منذ القرن السادس عشر. 
وتشير مؤشرات السوق المالية العالمية (البورصة) إلى تأثر عملة الدولار مؤخرًا بالأحداث الدولية وتراجعها نسبيًا بشكل ملحوظ عن سابق عهدها بمقابل إرتفاع غير مسبوق منذ عقود لأسعار الذهب والفضة، ممّا قد يعطي حافزًا للدول القوية تجاريًا وعلى رأسها الصين للتفكير مليًا في سحب اعتماداتها من الخزينة الأميركية واستبدالها بالذهب والفضة، والبحث عن مصالحها الاقتصادية والتجارية والسياسية والدبلوماسية وفي جميع المجالات ولو كان مع خصم أميركا الأبرز إيران الراعي لمحور المقاومة الّذي كسر شوكة أميركا، وبذلك يكون أي تحرك صيني في هذا الاتجاه سقوط حتمي للامبريالية الاميركية نحو نظام عالمي جديد.
إلا أن التساؤل الحقيقي يبقى رهن الأيام القادمة ما إن كان لدى محور المقاومة وعلى رأسهم إيران الامكانيات اللازمة لإسقاط الامبريالية الأميركية وتعميد الطريق نحو نظام عالمي جديد، قد يكون فيه شيء من العودة إلى المركنتيلية ولكن بنسخة مطورة وقوى عظمة جديدة!! 

Share by: