يُعرف النصر عادة بأنَّه الفوز على الخصم، وفي الحروب يكون هذا الفوز بسحق العدو، تدمير قدراته أو سلب إرادته للقتال.. لكن هذا المفهوم تغيّر في العقود الأخيرة، فصار النصر يبنى على السردية الأكثر اقناعًا وفقًا لمعايير تختلف بين الأعداء المتحاربين، فيكون لكلٍّ منهم روايته الخاصة تضعف أو تقوى بتحقيق تلك المعايير وأهمها المشروعيّة. (النصر الإلهيّ في تموز مثلاً كان معياره الحاسم نجاح المقاومة بمنع الجيش الأسطوريّ بآلات قتله المتفوّقة من تحقيق أهدافه)، وقد تتحوّل تلك المعايير في بعض الحروب إلى مسلمّة لا يرقى إليها الشك خصوصًا مع وجود الكاميرا في الميدان، كنصر أيار تحديدًا، وصور الجنود الهاربين فيه قبل أن تصل جموع التحرير التي احتشد فيها أهل عامل مع شباب مقاومتهم بأسلحتهم الفرديّة.. هنا لا يمكن للسنيورة ادعاء أنّ دموعه أحد تلك المعايير، أو أنَّ حجم الدمار الذي تسبّبت فيه آلة القتل يناقض سردية النصر كما تطالعنا بشكل دائم نخب يمين فينيقيا حتى تكاد تظن أن قلبها كان يحترق ألمًا على أبنية الضاحية، لا يمكن لألسنة شينكر ومرتدي ألبسته المستعملة) أن يردّدوا ليلاً نهارًا مقولة مجتزأة على وزن لو كنت أعلم.. كان نصر أيار حاسمًا جدًّا حينها، لذا كان البكاء خافتًا حد إخفاء الحزن خلف ابتسامات وتحيّاتٍ مصطنعة ..
لكن في السنوات الأخيرة، ومنذ ما يسمى ١٧ تشرين ومخلفاته التي تراكمت حتى صارت أصنافًا تتصارع كي تقتات حكايا أبلسة المقاومة من الغرف السوداء، ثم تتصارع على صياغة جميع صنوف الأكاذيب الممزوجة بالحقد الناتج عن فشل النموذج (كلّ نموذج انتمى إليه هؤلاء على اختلاف عوالمهم) في ترداد تلك الحكايا، بات نصر أيار-والمعضلة الواضحة فيه كعيدٍ سنويّ يتكرّر كلّ عام ولا يمكن إغفاله- أكثر ما يشغل بال هؤلاء؛ هنا اجتمع الخليط العجيب من اليمين واليسار مضطرًا (بإدارة المشغل والتقاء الأهداف) كي يعيدوا للأجيال الجديدة صياغة الروايّة مجدّدًا،
فجاء مضمونها: نعم، كان هناك نصر واضح صنعه كلّ اللبنانيين على اختلاف إنتماءاتهم (تخيّل عزيزي القارئ أنَّه يمكن لأحد ما أن يدّعيَ اجتماع كلّ اللبنانيين على قضية خصوصًا قتال إسرائيل)، لكن دور حزب الله فيه كان صغيرًا، فهو نجح في تحرير مساحاتٍ قليلة، بينما الفضل الأوّل يعود إلى (جمول) مع تضخيم للأعمالٍ البطولية من بيروت إلى الأولي ليس حبًّا في جمول (التي تحوّل من بقي من قادتها اليوم جزءًا صغيرًامن هؤلاء) بل كرهًا بأصحاب النصر حتى وصل بالبعض منهم نفي أيّ دور للمقاومة الحقيقيّة قبل حرب تموز).
لذا كان لا بد في ذكرى التحرير من حديث تفصيليّ (يتضمّن هذا المقال جزءًا صغيرًا منه يحاول الإضاءة قدر ما يسمح) عن جمول ودورها العسكري المحدود لا انتقاصًا من فعل المقاومة المقدّس بحدّ ذاته مهما اختلفت التسميات؛ بل كي لا تتحوّل أساطير الماضي لمن لا حاضر لهم سوى مقاعد محطات الإعلام الرخيص حقائق تاريخية ترددها الاجيال الجديدة البعيدة عن عالمنا دون وعي وتتنكر بغياب المعرفة لديها لدور المقاومة الاصيلة الرائد ...
(واستثني منها مقاومة الحزب القوميّ اذ انتمى إليها بشكل صوريّ العميد الشهيد محمد سليم لكنه حافظ على غرفة عمليات مستقلة).
كانت عمليات جمول تفتقر للحد الأدنى من مستويات التخطيط ناهيك عن الجهل المطبق بالقواعد العسكرية، وكانت بمعظمها تندرج في إطار التوظيف الإعلاميّ. تخيّل مثلاً أن يرسل "إلياس عطاالله" قائد العمليات المثير للسخرية (قبل أن ينتمي إلى ١٤ اذار وبعدها) "جمال ساطي" (مع احترام فعل التضحية)، ليفجر نفسه مع بغلته في ساحة مفتوحة، لعل إلياس كان يريد تحطيم الزجاج لا أكثر، أو أن ينفذ بوسائط نارية خفيفة وثلاثة أفراد فقط دون دعم ناريّ يذكر كمينا في جبل الشيخ ليقتلوا أو يؤسروا، أو بناء لرغبة "وليد جنبلاط" لتثبيت زعامته على الجبل (إعترف جورج حاوي الذي قتل بعد انتقاله الى أقصى قرنة شهوان الإنعزالية في وثائقيّ الحرب الأهليّة أنّه كان يقاتل أحيانًا بأوامر جنبلاط دون أن يدري من يقاتل).
وتعمم الرواية دور الشيوعيين في تحرير بيروت، حسنًا؛ هل يعلم هؤلاء من دمر آليات العدو على سليم سلام (الضربة الأقوى بعد عملية أحمدقصير) أو من أين أتى "محمود ديب" ورفاقه بأسلحة العملية (وهي أسلحة الشيوعيين وأمثالهم الملقاة في المزابل خوفًا). هل كان "خالد علوان" يرضى أن يُؤتمر من قبل هؤلاء مثلاً؟. ماعدد قتلى العدو الذين سقطوا جراء عملياتهم؟ (أقل من ٥).
لقد ساهم الشيوعيون في تحرير بيروت قدر مساهمتهم في تحرير الجنوب.
أما بالنسبة للعملية الأمنية الأبرز محاولة اغتيال (أنطوان لحد).. لا أحسد جمول طبعًا على هذا التخطيط الأمنيّ الفذ، فكيف لها أن ترسل فتاة كسهى بشارة دون أدنى تدريب يُذكر كما ورد في كتابها (والتي بالمناسبة باتت من مناصري التكفيريين في الحرب السورية، ومجاهرة بانتمائها لمنظمات المجتمع المدنيّ المشبوهة، ومدافعة شرسة عن حقوق الشاذين جنسيًّا كما ظهرت في وثائقيّ نشر حديثًا!) كي تتقرّب من أطفال وعائلة العميل قبل تنفيذها العملية. ألم يخطر "لجورج حاوي" قبل إرسال مسدسه تدريبها ولو قليلاً ضمن برنامج أمني نفسيّ وجسديّ لمنع إمكانية حدوث تعاطف مع العائلة لا سيما الأطفال الذي يؤدي إلى تردّد سهى في إطلاق النار! الأمر حدث فعلاً، وأدى إلى إصابة أنطوان لحد في كتفه لا في قلبه من مسافة صفر!
وفشلت العملية...
كما طالعنا منذ مدّة بعض من توصفهم إذاعة حركة الشعب بأنّهم قادة جمول مع الاحتفاظ بأسمائهم الحقيقية (كأنّ أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لا يشغلهم شاغل عن ملاحقتهم) بأنّه تم تحويل ورش الحدادة في الجنوب إلى مصانع للعبوات، علمًا بأنَّ جمول لم يُعرف عنها أنَّها أنتجت لغمًا واحدًا خاصًا بها (حتى أصغر الحركات التكفيريّة أنتجت ذلك)، بل كانت جلّ عبواتها المرتجلة عبارة عن تفخيخ قذائف هاون، أو وضع كمية من المواد المتفجرة في (تنكة) للحليب وتمويهها بالتراب، وكانت بطبيعة الحال تلك العبوات ذات تاثير ضعيف في الهدف على مستوى التشظية لقتل الأفراد، أو الخرق لضرب المدرعات عدا عن الوقوع بالنمطية المفرطة لغياب الإبداع وإدارة القتال الحقيقيّ.. (السبب الرئيسيّ بالإنحلال التدريجيّ السريع لجمول لا كما يدّعي وضاح صادق ومن مثله عن دور النظام السوريّ كأن إرادة القتال تنمو على رغبات غازي كنعان)...
هذه الوقائع المعروفة مجرّد أمثلة لدور هامشيّ أُريد تزييفه، مع أنّ المقاومة لسمو أخلاقها ورفعتها كانت ولا زالت تحفظ لهؤلاء وغيرهم المبادرة حتى لو كانت فقاعات إعلاميّة؛ إلّا أنّهم ولدورهم المتآمر في السنوات الأخيرة (الناتج ربما عن إعجابهم الشديد بشخصية الملهم سامي الجميل) ولحق المقاومة علينا جيلاً بعد جيل..
إقتضى التوضيح...